تراثثقافة

السبيبة: فانتازيا النار الهادئة

استعراض صنفته اليونسكو ضمن التراث الإنساني 

تعيش مدينة جانت عروس الطاسيلي (2300 كلم جنوبي شرق العاصمة)، كل عام، على وقع فعاليات العيد السنوي الموسوم “السبيبة” الذي يعد حدثا استعراضيا صنفته اليونسكو ضمن التراث الإنساني، كما يعتبر فانتازيا عذبة للسلم والتصالح.  

وفاءً للتقليد السنوي، كان الموعد مع “السبيبة” التي تحييها قبائل الطوارق في العاشر محرم من كل سنة، وشرح “ياسين حمدادو” ابن منطقة “جانت” قلب الطاسيلي لـ “البيان” أنّ السبيبة تقام احتفالا بالصلح التاريخي الذي تمّ بين زعماء قصري “أزلواز” و”الميهان” في أعقاب حروب مزمنة.

ومنذ ساعات الصباح الأولى، عاشت المدينة السياحية الواسعة الدور أجواء غير عادية عبر الأعلام الوطنية واللافتات التي زينت مختلف الشوارع والأحياء، وشهدت ساحة ” دوغيا” توافد آلاف السكان المحليين فضلا عن السياح الأجانب.

وبدأت السبيبة التي تسمى أيضا “تيللين” بحزمة لوحات فسيفسائية امتزجت فيها حركات الراقصين الطوارق بأصوات نسائية عذبة، حيث برز كورس من بنات حواء في قمة أناقتهن واللائي لم يتوقفن عن ترديد الأهازيج الشعبية الأصيلة على وقع مشاهد صنعتها مختلف الفرق الفلكلورية والمسرحية على غرار فرق “تهمات” و”أمجر” و”اللاغ” الفولكلورية و”تادمايت”.

في المقابل، تغنى الراقصون الذين كانوا يرتدون ألبسة تقليدية عريقة، وراح شعراء المنطقة ينشدون أحلى ما جادت به قرائحهم من قصائد “تسيواي”، بينما دخل فرسان زلواز من الجهة الشمالية للساحة ونظرائهم الميهان من الجهة الغربية في حلل بهية مزيّنة بطقم آلشو وهو لباس تقليدي أسود اللون.

وكان الموعد مع سجال ثقافي بين فرقتي الميهان وزلواز في فقرة يصطلح عليها “معركة دون دم”، ويحرص فيها الفريقان على إبراز كل ما هو جميل من لباس ورقص وحركات وأشعار وقصائد في المدح والهجاء.

روح جديدة

بعدما ظلّت الاحتفالات مقتصرة في السابق على طرق تقليدية خاصة، عمد عرّابو السبيبة إلى تطوير حلة الموعد وترسيخ أدوات مستحدثة في التعبير عن الدعائم الاجتماعية للسبيبة كالإخاء والتسامح والتصالح، حيث صارت تؤدى رقصات جماعية ريتمية على وقع دقات الطبول، مُجسّدة في قالب حكائي درامي ذاك الصراع الذي كان سائدا في عهود غابرة بين القبائل التي كانت تقطن في منطقة الطاسيلي العتيقة، وانتهى بها المطاف إلى الجنوح نحو السلم والصلح، كما تنطوي هذه الرقصات على سرد ما انتاب مختلف حلقات الصراع الدامي من خلال ارتداء عموم الراقصين ألبسة حربية وحملهم أسلحة وانخراطهم في حركات متناسقة تعبر عن حركة المقاتل أثناء الحرب وأسراره في الدفاع عن شرفه.

وتختتم الرقصات الجماعية بلوحات معبرة عن توحد القبائل المحلية في مواجهة العدو المشترك، وعادة ما ترافق هذه الحركات في هذه المناسبة زغاريد النسوة التي توحي أنّ المرأة الطارقية التي تتوشح في هذه الموعد بأجمل ما لديها من حلي ولباس، تتجند بدورها إلى جانب الرجل في الحرب، كما تنقل الرقصات أوج مشاهد الصراع والقتال بين القبيلتين المتحاربتين والتي تنتهي بتدخل العقلاء لوقف الفتنة، وهم يدعون إلى الصلح وما تؤول إليه من إبرام معاهدات بين الأجداد القدامى.

ويحرص سكان الجنوب على الاحتفاء الدائم بعيد السبيبة، لما تمثله بنظرهم من وزن في التلاحم الاجتماعي الداخلي بين القبائل، والابتعاد عن التطاحن الداخلي الذي ميّز مرحلة غابرة من تاريخ قبائل منطقة الطاسيلي.

ويختار الطوارق الالتفاف حول حضرة “أمين العقال” وهو شخصية روحية لها قداستها، كما يؤدون زيارة إلى مقام “مولاي عبد الرحمن”، ويغتنمون الموعد لبحث أوجه متعددة للتراث اللامادي الذي تزخر به منطقتهم.

ويواكب الحدث، برنامج استعراضي لا يقل دسامة وتنوّعا، حيث تقام كرنفالات تترجم العواطف المشحونة التي يختزنها التراث العريق لقبائل الطوارق، وتؤجج الذاكرة الجماعية للسكان، ويدفعها إلى وحدة الهدف والمصير، ويطبع هذه الكرنفالات قالب كوريغرافي خاص، وعادة ما ترافقها زغاريد النسوة اللواتي تتشحنّ بأجمل ما لديهنّ من حلي ولباس.

وككل عام، تختتم السبيبة بالمصالحة بين المتخاصمين، إضافة إلى فك النزاعات، وضبط الروابط الاجتماعية والتجارية التي تحكمهم، وتجديد أصول العرف الذي يتحاكمون إليه وقضايا الزواج والطلاق ودفع الدية.

عرس شعبي

تحوّل الحدث إلى عرس شعبي بهيج بتوابل ثقافية أصيلة في فضاء مفتوح مليء بالألوان الزاهية وهو ما أبهر ضيوف الطاسيلي الذين خلبهم موروث ثقافي غزير بعادات وتقاليد السكان الطوارق.

ويقول الحاج سعيد أحد وجهاء مدينة جانت أنّ تظاهرة السبيبة من المقومات الثقافية والحضارية للشخصية الجزائرية بزخمها المتعدد، كما يشكّل فرصة لتجديد العهد مع منطقة عزيزة وعاملا للحفاظ على أيقونة متفرّدة للثقافة الشعبية.

وتقام الولائم تتويجا للسبيبة، ويتناول الجميع الطبق التقليدي المفضّل البويشة، وهو مزيج من الدقيق والتمر المجفف وزيت الزيتون، وتضاف إليها أحشاء كبش عيد الأضحى، التي تجفف ويُحافظ عليها خصيصا لهذه المناسبة، كما تتم الاستعانة بمواد أخرى للرفع من مذاق هذه الأكلة.

وبعدما يجري مزج تلك المواد الآنفة الذكر في قدر ضخم من الحديد، يتّم ترك الأخير لساعات طويلة فوق نار هادئة، لتمدّ موائد طويلة يجلس فيها الجميع شيبا وشبابا وأغنياء وفقراء.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!
إغلاق