الحدثالواجهةحراكمجتمعمنوّعات

يومُ وداع “فراشة الصحافة الجزائرية”

اليوم الأحد ستُشيّعُ جنازة فقيدة الصحافة وموقعي “دزاير براس” و”ألجيري ديراكت”، إيمان شيبان، إلى مثواها الأخير بمسقط رأسها في الشرفة ولاية البويرة.
في عُمر قصير، طارت الفراشة الحالمة بالتغيير الجميل في عوالم الإنسانية، والهندسة المعمارية والصحافة.. داعبت تاء التأنيث حتى صارت رمزا فيها، وتمردت على المألوف حتى قيل إنها إيمان شيبان!

الحكمة التي تقول “من يبحث عن امرأة طيبة وذكية وجميلة يبحث عن ثلاث نساء” ليست قاعدة، بل إستثناء أمام هذه الفتاة الريفية الرقيقة جدا، والمتحضرة جدا، الفتاة الظاهرة، التي جمعت الصفات الثلاث.. وفعلت في 26 سنة ما لم يفعله من عاش قرنا..
كانت سائحة تجري خلف الحقيقة وبشرية تبحث عن مدلول للإنسانية بين الناس، ومواطنة ترفض أن تكون رقما في معادلة نكران الذات، تهميش المجتمع، وتلاعبات السياسة..

قالت لي، وهي تتنفس مرارة فراق رفيق إسمه حميد فرحي، “هل توصلني الى مقر الحركة الديمقراطية الاجتماعية، حتى أُعزي نفسي في الذي علّمني أن أقبل الآخر، حتى وإن كان يناقضني في المحتوى والاتجاه”.. كانت تتكلم عن حميد فرحي، الذي سبقها الى الدار الآخرة بثلاثة ايام، وكأنه عرّاب الحكمة وميزان يرفض الإقصاء..

في عمرها القصير-الطويل، عرفت إيمان أن “التمتع بروح التمرد هو أن تتشوق للسعادة في هذه الحياة”، لم تكن تتذمر، وإن بدا عليها تعبٌ في العيون، من أرق القراءة والكتابة.. والسهر.. فتركت كتابا نتمنى أن يرى النور، ويعيد إيمان ..

عندما تُنجز ما كانت تتمناه، أو تحقق تغييرا في نظرة اجتماعية أتعبتها بعصبية من لا يفهمُ، ويسارع الى جلدك بحكم مسبق، أو قراءة صادمة.. تطير فرحا، وتتناسل ابتساماتها الطفولية في كل مكان، وتتكاثر فرحتها العامرة بالحياة..

كانت محاربة في سبيل التغيير الجميل، تغيير النظرة الذكورية القاتلة حيال المرأة، تغيير أحكام مسبقة في الشارع والعمل وفي الفضاءات المغلقة.. لذلك رسخ في أذهان من عرفوها مناضلة في حقوق الانسان مقالة كتبتها، وفيها بعض من روح هذه الفراشة الحالمة..”بلادي لا تحب النساء”، مطلعها “شوارع بلادي لا تحب النساء”..

إيمان، التي جمعت بين الهندسة المعمارية التي درستها وعملت فيها، والصحافة التي قدمت إليها بحب من يرى الكون جميلا، حتى وإن كان الواقع معاكسا للآمال.. هي إيمان التي دافعت عن تاء التأنيث حتى آخر زفير في الشهيق..

الأنوثة عند الرائعة إيمان موقف، لا تعرفه جبروت القبيلة، ذلك ان هذه المناضلة في حقوق الإنسان، كانت تلُفُّ كِبريت الذكورية بريقها، قبل الانفجار، وتتسلل بين عُنف المجتمع المتراكم وطيبة بعضه، فتسحب العبوة الناسفة بلطف آنسة، وذكاء مناضلة، وجمال كاتبة..

كانت إيمان تبحث بين الكلمات على من يواسيها في تسلط الآخر على الحريات العامة، ومن ينقذ الكلمة الحرة من سيوف القمع، ومن يرْبتُ على كتفها بقول فيه إبتسامة والكثير من بهارات راحة البال: إيمان.. أنت إختصار لغضب إمرأة هادئة..

إيمان كما عرفناها
تعرفت على إيمان في فترة قصيرة وكأنّي أعرفها منذ سنين، لصراحتها وطيبتها ووقفتها وقفة رجال مع أصدقائها… إيمان إمرأة بألف رجل”.
هذه الجملة المعبرة هي لصحفية بعمر إيمان شيبان، التي سحبها ثاني أكسيد الكربون من قائمة متنفسي الأكسجين، في ليلة باردة..

تقول نظيرة أوراقي، الصحفية بموقع “دزاير براس”، عن زميلتها المرحومة ايمان شيبان بموقع “ألجيري ديراكت” إنها “امرأة بألف رجل” ولما تسألها لماذا؟ تجيبك ببراءة من لا تتوقع شكرا على قول الحقيقة:

“تعرفت على إيمان في فترة قصيرة وكأنني أعرفها منذ سنين لصراحتها وطيبتها ووقفتها وقفة رجال مع أصدقائها”..

هول الصدمة لم يستفق منه كثيرون ممن عرفوا هذه النحلة في التعاطي مع القضايا الإنسانية، الكاتبة، والصحفية، والمهندسة المعمارية، والمناضلة في حقوق الإنسان والقضايا العادلة..

“راني فايقتلك بلي راك خواف كبير”..

كريم الغانغ، مطرب الراب المعروف، الذي تعرف علي إيمان في الوقفات التضامنية مع عدلان ملاح، يقول في منشور فيسبوكي، عقب سقوط الخبر الفاجعة، “كانت فعلا تحمل معنى إمرأة بوزن عشرة رجال.

المرحومة كانت مثال للشجاعة، إلتقيتها في كل الوقفات السلمية التضامنية مع الصحفي عدلان ملاح، ولن أنسى أبدا أنها كانت دائما تمازحني وتقول لي: “راني فايقتلك بلي راك خواف كبير بصح نستعرف بيك ديما تجي”.

الزهرة والتراجيديا

ويقول مراد آيت ميمو، من قناة “دزاير تيفي”، “التراجيديا تضرب مرة أخرى، بعد الراحل يوسف قوسم، موح هناد، حميد فرحي، ها هو الدور يأتي على زهرة فتية غادرت الدنيا الى العالم الآخر. إيمان شيبان، زميلتنا، رحلت في عمر الزهور، فلترقدي بسلام، فليرحمك الله”.

المدافعة عن القضايا العادلة

ومن الذين اقتربوا منها وعرفوا كم هي حسّاسة ومدافعة عن القضايا العادلة، محمد الصالح براهمي، من موقع “دزاير براس”، الذي يقول فيها “إيمان شيبان كانت أفضل تجسيد لعبارة “خير خلف لخير سلف”.

قوة شخصيتها وثباتها على القضية التي تؤمن بها يذكّر بقوة شخصية وثبات حرائر الأمازيغ كالملكة ديهيا، والشهيدة القائدة فاطمة نسومر. لروحكي السلام إيمان، فعالمنا القاتم غير جدير بإبتساماتكي”..

الكلمات لا تكفي..

أما خلاف بن حدة، الذي تنقل من قناة الحياة، التي يعمل فيها الى “دزاير براس” لتعزية الطاقم في هذه الفاجعة، فقال عن إيمان التي عرفها، لما كان رئيس تحرير عليها في موقع “الجيري ديراكت”:

“ما ذا أقول يا إيمان؟ ما ذا أقول عن غيابك؟ هل أتحدث عنك على أساس شخص كريم وضاحك؟ شخص لطيف؟ عن إيمان بقلب رقيق ومحبوب؟ عن شجاعتك الصاعقة؟ عن نضالك؟

هل أتحدث عن إيمان الصحفية الكبيرة أم عن إيمان المهندسة المعمارية الإستثنائية؟ الكلمات لن تكفي لوصف قيمك وشجاعتك. كُنت تدافعي عن كل القضايا العادلة والقيم الإنسانية، كُنت خلف المحقورين، كُنت تعرفين المرأة الجزائرية الرافضة للخنوع، نعم إيمان الكلمات لا تكفي”..

وجع الوداع..

وأختار عزالدين دراج، الذي عمل تحت مسؤولية إيمان شيبان، في موقع “الجيري ديراكت”، فآثر أن يحكي صدمته الموجعة: “وداعا أيتها المناضلة.. عندما استيقظت صباحا، علمت بالخبر الحزين.

صدمة لكل من عرف هذه المرأة الشجاعة، المناضلة، الضاحكة. خصصت حياتها للدفاع عن حقوق المرأة، كانت حاضرة في كل التجمعات، للدفاع عن القضايا العادلة. هذا الصباح فارقتنا دون وداع. لم تعد الكلمات كافية للتعبير عن حزننا”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!
إغلاق